التقليد الأعمى ثَمَرة كل تعصب

حول الحراكات الشعبية

التقليد الأعمى يَنبت في أرض العصبيات والولاءات الفردية والجماعية الناتجة عن المصالح المتبادلة بين الناس، أو الناتجة عن الثقة التامة ببعض القادة أو الزعماء أو العلماء أو المفكرين ، فيتولد عنها التسليم المطلق بدون تأمل ولا بحث ولا تفكير…
وصاحب التقليد الأعمى يناصر الأشياء التي يقلدها بكل ما أوتي من قوة، ويدافع عنها، ويحتال لتأييدها بحجج واهية، وأقاويل زخرفية، ولو كانت باطلة، تشهد الأدلة القاطعة، والحجج البرهانية ببطلانها…
وهذه الصفة من أقبح الصفات التي يتصف بها كثير من الناس، وتزداد قبحا حينما تكون من صفات أهل العلم المفروض فيهم أن يكونوا متجردين باحثين عن الحق، يتقبلونه أين وجدوه، وينصرونه حيث ظفروا به.. ولو كان على نقيض ما عليه جماعة الحزب أو المذهب، أو القوم الذين ينتمون إليهم …
وأَبانَ الله عز وجل أن المقلدين تقليدا أعمى لا عذر لهم في أن يقلدوا على غير بصيرة، وأن عليهم أن يتحملوا نتائج التعصب بغير حق، والتقليد في الباطل والغَي والإثم والعدوان، عذابا أليما مع قادتهم يوم الدين في نار جهنم .. 
يقول تعالى: ( بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير، إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون، فانتقمنا منهم، فانظر كيف كان عاقبة المكذبين)/22-25/ الزخرف.
أسأل الله عز وجل: أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه..

(من أساليب ووسائل علاج التقليد الأعمى)
على الداعية إلى الله أن يعالج التقليد الأعمى في المدعويين، بمختلف الوسائل الممكنة والأساليب النافعة، بدءا بأخفها وأهونها وأبعدها عن المواجهة المباشرة، ثم يرتقي بها شيئاً فشيئاً إلى الأساليب المباشرة…
ومن الواجب دوماً: أن يلتزم التَلَطف والرفق إلا عند الضرورة القصوى، وأن يلتزم التدرج الارتقائي، وأن يتحلى بالحلم والصبر وسعة الصدر، والتغاضي عما يوجه إليه من إساءات مع العفو والصفح والتكريم.. وذلك تأسيا بمنهج القرآن المكي والمدني في ذلك.
ومن الوسائل والأساليب النافعة في ذلك:
– إقناع المدعوين بأن الإسلام دين الحق، يدعو إلى الحق حيث كان، فلا ينحاز إلى عرق، أو لون، أو قوم، أو شعب، أو جماعة، أو مذهب دون غيره…
– الإقناع بأن التعصب والتقليد الأعمى داءٌ اجتماعي خطير، يتنافى مع فضائل الأخلاق.
– الإقناع بأن الإسلام يقرر مسؤولية كل إنسان ذي فكر، على أن يحق الحق، ويُبطل الباطل، وينصر المظلوم، ويأخذ على يد الظالم، ويقيم العدل ما استطاع إلى ذلك سبيلا…
– العمل على تكوين رأي عام يتفق على ذم داء التعصب بغير حق، وضرورة التخلص منه…
– عرض قضايا الحق مقترنة بأدلتها وحججها البرهانية.
– التلطف بالمقلدين تقليدا أعمى، والإشفاق عليهم..
– التزام السياسة الحكيمة في جدالهم، كما جاء في القرآن الكريم، بأن نقول للمخالفين الذين هم في ضلال مبين: ( … وإنا أو إياكم لعلى هدى، أو في ضلال مبين) /34/ سبأ.. داعيا بذلك أن يتجرد كل طرف عن سوابق أفكاره، وأن ينظر في موضوع البحث نظرا متجردا…
– أن لا يخرج عن أسلوب التلطف إلا عند الضرورة القصوى.
– أن يصدق مع الله في رغبته في هداية الناس ومعالجتهم، وأن يدعو الله لهم بالهداية. فهو وحده الهادي إلى سواء سبيل.

***

أيها الأحبة:

وَدِدت أن أختم حديثي عن العصبيات الذميمة، والتقليد الأعمى الذي تحدثت عنه في المقالات الأخيرة السابقة، بإشارات إلى بعض مظاهر تلك العصبيات والتقليد الأعمى التي يعيشها بعض المسلمين اليوم، والتي تتعلق بالمحنة التي نعيشها في بلادنا، لأنتقل بعد هذا إلى الحديث عن فقه المحنة…
وسأكتفي بالحديث عن مظهر واحد من أخطر تلك المظاهر، وهو: محاولة تأويل النصوص الشرعية، والقواعد العلمية التي يستشعر البعض أنها تشملهم أو تشمل من حولهم بوجه من الوجوه، بدلاً من أن يستفيدوا منها، ويراجعوا مواقفهم وسلوكهم في ضوئها.!!
من ذلك:
– ما ذهب إليه بعضهم من تأويل وتفسير لمعنى “الرويبضة” الذي وضحه الرسول صلى الله عليه وسلم أصرح توضيح، حيث قال: “وينطق الرويبضة” فقيل: وما الرويبضة يا رسول الله، فقال: “التافهُ ينطق بأمر العامة” فيشمل بوضوح كلّ ناطق بأمر عامة الناس، ممن ليس أهلاً لذلك، كبيراً كان أو صغيراً… وهذا مصداق ما يحدث الآن، حيث يتصدى للحديث في المحنة القائمة، ويعقد الموازنات فيها أناس كثير، قد لا يرتضي المرء قولهم في الأمور الخاصة، ولا سلوكهم الديني ولا الاجتماعي… ثم يَتبَعُهم الناس في نظراتهم ومواقفهم في سبيل الإصلاح والتغيير العام..!! بدلاً من ردّ ذلك إلى أولي الأمر منهم من أهل العلم والعقل والاستنباط الذين أمرنا القرآن الكريم بالرد إليهم، وحذّرنا من مخالفة أمرهم.!! وما ذاك إلا من الهوى المُتّبع الذي جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من المهلكات الثلاث!!
– كما فعل آخرون في تأويل حديث “حدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام، الذين يقولون بقول خير البرية، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية…الخ”، وذلك عندما رأوا معظم هذه الحركات المعاصرة يتولاها شباب لم يبلغوا درجة التعقل والتفهم للأمور العامة والقضايا الكبرى، تحركهم عواطفهم، وآمالهم وآلامهم، ويرون أنفسهم أفهم من العلماء والعقلاء… ويزيدهم قناعة بأنفسهم سكوت بعض العلماء عن تصرفاتهم، ومتابعة بعض العقلاء لهم بدوافع شتى..!!
– كما يقوم آخرون ليدفعوا عن أنفسهم أو عن غيرهم مشاركتهم في الإثم لمن يقتل أو يُدمر، فيُشيرون إلى الخلاف العلمي في حكم المُتَسبب، فهل هو مثل المباشر، أم لا؟ ويستشهد بقاعدة (المباشرة تقطع حكم التسبب)، غافلين عن اتفاق الأمة على مشاركة المتسبب بالقتل في الإثم للمباشر، وإن اختلف المتسبب عن المباشر في الحكم المترتب على ذلك من دية أو غيرها، فإن الدال على الخير كفاعله، وإن الدال على الشر كفاعله… مما يُعَدّ من الأبجديات العقلية والشرعية!!
أسأل الله عز وجل أن ينجينا من المهلكات الثلاث “الشح المطاع، والهوى المتبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه” التي تكمن وراء مثل هذه التفسيرات والتأويلات..
وأن يغفر للجميع مثل هذه الزلات، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، ويقينا شرّ مثل هذه التصرفات… إنه على ما يشاء قدير.

***
.

أشكر الإخوة الذين تفهموا مرامي الكلمة الأخيرة، وعلقوا عليها تعليقا حسناً، ورغبة في توضيح النقطة الثانية منها –كما طلب أحد الأحبة المعلقين-، أقول:
لما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام، الذين يقولون بقول خير البرية..إلخ .. يلامس واقع كثير من شباب الحراكات الشعبية القائمة… تَوَجّه بعض الكاتبين من طلبة العلم إلى تأويل الحديث الشريف وتحريف معناه، والتكلف في فهمه.. ليدفع عنهم هذه الأوصاف محبةً لهم، وتعصباً لموقفهم… على الرغم من وضوح الحديث الشريف!! بدلاً من أن يُحَذّرهم مما وقعوا فيه، ويُحَذر من شر عاقبة تصرفاتهم!! وذهب بعضهم يُبين فضل الشباب وإيجابياتهم.. وكأنه فهم الحديث الشريف يطعن في شباب الأمة جميعاً، وحاشاه من ذلك.
فالمقصود منه: أولئك الشباب الذين فُتِنوا بأنفسهم، ورأوا أنهم أعلم من علمائهم، وأعقل من عقلائهم، والذين بلغ من سفاهتهم إطلاق ألسنتهم في طعن العلماء والعقلاء المنتقدين لهم، حتى وصل الحد ببعضهم إلى أعلى حدود السفاهة في القول، وإلى اعتماد أسلوب اللعن والطعن، والسباب والشتائم… الذي مُلئت به صفحات الفيس بوك وغيرها.. بل وصل الأمر إلى بعض من يُنسَب إلى العلم أن يفتيهم عندما سألوه عن حكم اللعن لفلان أو فلان من الناقمين عليه، الذي أنكره عليهم بعض عقلاء الشباب وغيرهم، أن يقول لهم: إن هذا اللعن بمنزلة ذكر الله، والتسبيح والتهليل –والعياذ بالله-!!
فبارك الله في شباب الأمة العقلاء، ووقانا شرّ السفهاء الذين إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا، وإذا خاصموا فجروا..
كما نعوذ بالله من شر الفتن المهلكة التي تطيش فيها عقول الناس، وتدع الحليم فيها حيران… ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون فتنة تعرج فيها عقول الرجال، حتى ما تكاد ترى رجلاً عاقلاً). أخرجه الهندي في كنز العمال وصححه، ولعل معنى “تعرج” هنا: تغيب، لأن العَرَج في اللغة: غيبوبة الشمس. والله أعلم.