حديث ‘إن الفتنة وكلت بثلاث’

سلسلة مقالات فقه المحنة

أخرج ابن أبي شيبة في مُصنفه (15/17-18)، وأحمد في الزهد(2/136) وغيرهما عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: ( إن الفتنة وُكلت بثلاث: بالحاد الخرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد. فأما هذان: فتبطحهما لوجودهما، وأما السيد: فتبحثه حتى تَبْلوَ ما عنده).
وفي رواية (بالشريف) بدل (وبالسيد) وفيها: (فأما الحاد الخرير: فتصرعه، وأما هذان فتبحثهما حتى تَبلوَ ما عندهما).
والخِريرُ: هو الفَطِنُ البصير بكل شيء، و تُوَكّلُ الفتنة به إن كان حاداً غير حليم، ولا أناة عنده، يُريد الخير بمجرد وقوفه ومعرفته له، دون اتباع منهج الله في التغيير، ودون النظر إلى مآلات الأفعال، وعواقب الأمور.
وتشمل كذلك المعجبين به وبقراراته وأطروحاته، فيشاركون فيها بشرفهم وسيادتهم، وبألسنتهم وخطبهم، ومقالاتهم، ومؤلفاتهم، ونشراتهم وصحفهم، وهيئاتهم، فتختبرهم الفتنةُ، وتَبلوَ ما عندهم.
فالخطيب والداعي لها أقرب منها من الشريف المعجب الذي بَهَرته الزخارف، وغرته الشعارات، ولعله إن تأمل، وتحلم، ونظر، وفكر، ودبّر، وقدّر، يَخلُصُ منها إن تداركته رحمة مولاه، وخرج عن داعي هواه..)
مقتبسة بتصرف من بحث الشيخ أبو عبيدة مشهور بن حَسَن آل سليمان -حفظه الله- 

٢٤ يونيو ٢٠١٣ · 

***

رغبَ إلي بعض الإخوة والأخوات زيادة شرح وتفصيل لما ورد في المقالة السابقة، واستجابة لرغبتهم أقدم التوضيحات التالية :
أ – إن الحديث الوارد في المقالة السابقة : حديث موقوفٌ على الصحابي : حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويغلب على الظن أن يكون له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ما جاء فيه مجردُ أخبار لا تُقال بالرأي والاجتهاد، وقد صحح سنده بعض العلماء.
ب – ومُجمَلُ مَعناه: أن الفتنة إذا وقَعَت تؤثر تأثيراً سلبياً شديداً في ثلاثة أصناف من الناس، أكثر مما تؤثر في غيرهم، و هم :
1- الرجل الذكي الفَطِنُ حاد المزاج، الذي يتأثر سريعا بكل شيء يمر عليه، ويتفاعل معه دون تَبصّر بالنتائج والعواقب، فينساق مع الأحداث …
2- الخطباء الذين يُلهبون عواطف الناس، ويحركونها في مسار الفتنة، تبعا لرأي وموقف ذلك (النحرير)، وهم في الاصطلاح: غير العلماء الذين يُعقّلون الناس ويُبصّرونهم بالعواقب والمآلات… وقد ورد في بعض الأحاديث الصحيحة : أن من علامات الساعه: كثرة الخطباء، وقلة العلماء والفقهاء …
3- الزعماء والوجهاء من الناس، الذين يتبعهم الناس لمجرد شهرتهم وموقعهم الاجتماعي أو السياسي بينهم، وليس بسبب علمهم وخبرتهم بالأمور وعواقبها …
فتَصرع الفتنة الصنفين الأولين، وتبطحهما على وجوههما، وتختبر وتَبتلي الصنف الثالث، الذي قد يتبصر في الأمر وينجو من شر الفتنة .
ج – فَمَن تَفَهمَ معنى الحديث تماما، ولاحظ واقع الفتن التي تدور اليوم هنا أو هناك، وعرف رجالها، وخطباءها، وأبطالها، بانَ له موقع هؤلاء الأصناف الثلاثة من تلك الفتن، وعَلِمَ: أنه لا نجاة من شر الفتن الظاهرة والباطنة إلا بالعلم الراسخ، والاتباع الكامل لمنهج الله ورسوله في التعامل معها، حيثُ يُعْصمُ المرءُ بذلك من أن يكون (إِمّعَةً) يقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، أو يكون عاطفيا، تجنَحُ به عواطفه عن مسار التَبصّر والتَعقّل … فيتبع كل داع إلى الفتنة مُحرّض عليها، سواء كان هذا المحرّضُ خطيبا مفوّها، أو زعيما مُسَوّداً في جماعته… 
اللهم أعذنا من شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا من الذين يتحصّنون منها بالعلم واتباع العلماء والعقلاء، إنك على ما تشاء قدير…

٢٦ يونيو ٢٠١٣ · 

***