حديثُ السنوات الخداعات

حول الحراكات الشعبية

بسم الله الرحمن الرحيم

جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال :”سيأتي على الناس سنوات خدّاعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”.
صدق رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.
إني كلما رأيت تتابع الفتن، وتوالي الأزمات والنكبات في عالمنا الإسلامي اليوم، برز أمام عيني هذا الحديث الشريف وأمثاله من الأحاديث الواردة في باب الفتن، حيث كثرت السنوات الخداعات، التي يُكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويُسمع فيها للرويبضة، وتُصَمُّ الآذان تجاه العقلاء والعلماء…!!
والتي ظهر فيها حدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام الذين يقولون من قول خير البرية، ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية…والذين حذرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من بروزهم وظهورهم.
ثم يعجب الناس مما آلت إليه أمور كثير من البلاد الإسلامية اليوم، حيث تعم الفوضى، وتنتشر الاضطرابات، وتسود الاختلافات في القضايا العامة، ويعود الحليم فيها حيران..!!
على الرغم من دعوات المظلومين، واستغاثات المستغيثين، وعلى الرغم من وجود الشيوخ الركع، والشباب الخشع، والصغار الرضع، والحيوانات الرتع..!!
أقول: لو قرأنا أحاديث الفتن وأمثالها قراءة صحيحة، وتبصرنا تحذيرات رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وتنبيهاته، وحملناها على محمل الجد، فأعددنا للأمر عدته، وتجنبنا الشر قبل وقوعه، لما وصل الأمر بنا إلى هذه الحال التي لا يرضى عنها عاقل، والتي يُسَر بها العدو، ويستاء منها الصديق…
فقد أصبحنا في زمن تعالى فيه الرُّويبضات على العقلاء فنطقوا، وتجاوز فيه الأحفادُ الأجدادَ، والأبناءُ الآباءَ فتصرفوا، وبغى فيه المتعالمون على العلماء فأفتوا، فانتكست فيه القلوب، وانقلبت فيه المفاهيم، وأصبح فيه المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
في الوقت الذي يرى فيه كثير من الناس هذه الحال قفزة نوعية، وصحوة دينية، فعقدوا عليها الآمال، واستبشروا من خلالها بالنصر، وعدًّها بعضهم إبداعاً جديداً، وطالب بمنح أهلها (براءة اختراع)..!!
فزادوا الطين بِلَّة، والمشكلة تعقيداً.
ولا أملك اليوم تجاه هذا الواقع الأليم إلا أن أذكر نفسي خاصة، وإخواني عامة، بضرورة الرجوع إلى منهج الله سبحانه، والتبصر بسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي تركنا على مثل البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، مذكراً بخطر الإعراض عن منهجه وهديه، والتعامي عن تحذيراته وإنذاراته… فهو القائل سبحانه:
“فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى” (123-126) طه.
أسأل الله عز وجل أن يرحمنا، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يكفر عنا سيئاتنا، ويتجاوز عن تقصيرنا، وأن يتوفانا مع الأبرار.

١١ ديسمبر ٢٠١٢